غلاء أضاحي العيد والقدرة الشرائية: هل أصبحت الشعيرة عبئاً؟ وماذا يقول الفقه؟
مع اقتراب حلول عيد الأضحى المبارك، يعود إلى الواجهة نقاش مجتمعي واقتصادي يتكرر كل عام، لكنه يكتسي هذه المرة طابعاً أكثر حدة وقلقاً. فبين رغبة العائلات في إحياء هذه الشعيرة الدينية العظيمة، وبين واقع اقتصادي مرير يتسم بالارتفاع الصاروخي في أسعار المواشي، يجد المواطن البسيط نفسه محاصراً بين مطرقة العادات والتقاليد وسندان تدهور القدرة الشرائية.
في هذا المقال، نسلط الضوء على أسباب أزمة غلاء الأضاحي وتأثيرها المباشر على الأسر، ثم نستعرض الموقف الفقهي الواضح والشريعة الإسلامية السمحاء في التعامل مع العجز المادي عن التضحية.
أسواق المواشي.. أرقام فلكية ترهق كاهل المواطن
تشهد أسواق الماشية قفزات غير مسبوقة في الأسعار؛ حيث تجاوزت أثمان الأكباش المتوسطة مستويات لم يعهدها ذوو الدخل المحدود، في حين قفزت أسعار الأصناف الممتازة إلى أرقام خيالية. هذا الوضع أحدث صدمة قوية للمستهلكين، خاصة أن هذه المناسبة تتزامن مع التزامات معيشية أخرى ترهق الميزانيات الأسرية.
ويعزو المهنيون والكسابة هذا الارتفاع المهول إلى عدة عوامل مباشرة وغير مباشرة:
توالي سنوات الجفاف: مما أثر سلباً على الغطاء النباتي للمراعي الطبيعية ونقص الموارد المائية.
ارتفاع أسعار الأعلاف: زيادة تكاليف الإنتاج على الفلاحين والكسابة محلياً ودولياً.
دخول "الشناقة" والوسطاء: استغلال بعض المضاربين لذروة الطلب من أجل رفع الهوامش الربحية ومضاعفة الأثمنة، مما يضر بمصلحة المواطن والكساب الحقيقي على حد سواء.
معادلة صعبة: القدرة الشرائية في مواجهة التقاليد
أمام هذا الغلاء الفاحش، تضررت القدرة الشرائية للمواطن بشكل ملموس، وتحول البحث عن أضحية تناسب الميزانية إلى رحلة شاقة مليئة بالخيبات. لم تعد المسألة مجرد اختيار كبش العيد، بل أصبحت مغامرة مالية قد تدفع البعض إلى الاقتراض أو بيع ممتلكات أساسية، فقط لتفادي "الحرج الاجتماعي" ونظرة المجتمع، وهو ما يطرح تساؤلاً عميقاً حول مدى وعي المجتمع بالمقاصد الحقيقية للشعيرة.
ماذا يقول الفقه الإسلامي في عدم التضحية لعجز مادي؟
لقد تميزت الشريعة الإسلامية باليسر والرحمة، ورفع الحرج عن العباد؛ فالأصل في العبادات المالية والمعيشية هو الاستطاعة، لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}. وفيما يلي تفصيل رأي الفقهاء حول حكم ترك الأضحية بسبب الغلاء وعدم القدرة:
1. حكم الأضحية في المذاهب الأربعة
جمهور الفقهاء (المالكية، الشافعية، والحنابلة): يرى الجمهور أن الأضحية سنة مؤكدة في حق القادر الموسر، وليست فرضاً عيناً. وبالتالي، فإن تركها لعجز مادي أو لغلاء فاحش لا يترتب عليه أي إثم شرعي.
المذهب الحنفي: يرى الحنفية أن الأضحية واجبة، ولكن هذا الوجوب مشروط بـ "اليسار المالي" (أن يملك الشخص نصاب الزكاة زائداً عن حاجاته الأصلية). ومن ثَمّ، يسقط الوجوب تماماً عن الفقير أو من لا يملك سعة من المال.
2. مفهوم "السعة والاستطاعة"
اشترطت الشريعة امتلاك ثمن الأضحية فاضلاً عن النفقة الأساسية للشخص ومن يعول طيلة أيام العيد. وقد استدل العلماء بقول الرسول ﷺ: (مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا)؛ والحديث يعلق الأمر بوجود "السعة"، فمن عدمها فلا لوم عليه ولا حرج.
3. اقتداء بالصحابة الكرام
ثبت في الأثر أن كبار الصحابة، كأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، كانا لا يضحيان في بعض السنوات -رغم قدرتهما- مخافة أن يظن الناس أن الأضحية فرض واجب، وتيسيراً على العامة حتى لا يضيقوا على أنفسهم.
التكلف والاستدانة من أجل الأضحية: نظرة شرعية
ينبه علماء الدين إلى سلوك خاطئ يقع فيه الكثيرون، وهو اللجوء إلى القروض الربوية أو إرهاق النفس بالديون لشراء الأضحية. هذا السلوك يتنافى مع مقاصد الدين؛ فالأضحية شرعت للتقرب إلى الله وإدخال السرور على الأهل، وليس لتعذيب النفس وتحميلها ما لا تطيق. فالأولى بالمسلم غير القادر أن يستشعر رخصة الله ويترك التضحية دون خجل أو شعور بالذنب.
خلاصة القول:
إن عيد الأضحى شعيرة تعبدية تحمل قيم التكافل والتراحم، وليست مظهراً للمباهاة أو وسيلة لإثقال كاهل الأسر بالديون. وفي ظل الغلاء الحالي، يظل حفظ توازن الأسرة المعيشي وصون كرامتها مقدماً شرعاً على التكلف لأداء سنة تسقط تلقائياً بعدم الاستطاعة.
